نجيب الدين السمرقندي
136
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
ويقرب منها أي من أنواع الماليخوليا العشق « 1 » وهو مشتق من العشقة وهو نوع من اللبلاب تلتفّ على الأشجار فتجففها وسمى هذا المرض به من جهة التشبيه لأنه يجفف صاحبه ويذهب عنه رونق الحياة . قال الشاعر : فداء العشق مأخوذ من العشق الذي * إذا التفّ بالقضبان جفّف رطبها قال الشيخ « محيي الدين بن العربي » في الباب الثامن والخمسين والخمسمائة من « الفتوحات المكّية » في حضرة الودّ : العشق مأخوذ من العشقة وهي اللبلاب التي تلتفّ على شجرة العنب وأمثالها فهو يلتف بقلب المحب حتى يعميه عن النظر إلى غير محبوبه وهو مرض « 2 » وسواسى يجلبه الإنسان إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي تكون له أي للمعشوق وإن لم تكن في نفسها حسنة ويحدث من إدامة الفكر احتراق الدم واستحالته إلى السوداء وتزداد من ذلك قوة السبب ثم المسبب وهكذا حتى يعظم الأمر ويؤول إلى ضرب من الماليخوليا ثم ربما تعينه عليه أي على ذلك الاستحسان شهوته وربما لم تعن . وقال « أرسطوطاليس » : هو عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب وسببه الهام النفس بالمحبوب . وعلامته : البهوت لاستغراقه في خيال المحبوب واتصال الفكر في شمائله فيبقى ساكنا لا يعقل من أمره شيئا والنسيان لذلك فلا يمكنه أن يتلقى الأشياء التي يدركها بالحفظ والقبول ولغلبة الجفاف على الدماغ والإطراق أي إنحناء الرأس إلى تحت وذلك لأن الإنسان متى يريد أن يتخيل شيئا يطرق برأسه بالطبع يطلب بذلك أن يميل الأرواح إلى البطن المقدم الذي هو موضع الخيال فيقوى تصرف هذه القوة والعاشق لا ينفكّ عن تخيل المحبوب واستحضار صورته ولأنه يريد بذلك أيضا أن يجمع حواسه في تخيله ولا يتفرق من الالتفات إلى كل جهة وحالة شبيهة بالماليخوليا من لزوم الغم وحب الوحدة والسكوت وقلة مباشرة الاعمال .
--> ( 1 ) . : قال « أبقراط » : إنه نصف الأمراض لأنه على النفس والباقي على البدن . ( 2 ) . : اعلم أن الأطباء قد اختلفوا في ماهية العشق اختلافا كثيرا : فبعض منهم لم يجعله مرضا البتة ومنهم من يعترف بكونه مرضا وهم الأكثر والأولون الذين لم يجعلوه مرضا قد اختلفوا في ماهيته فقيل هو ابتهاج بتصور حضرت ذات [ . . . ] وقيل هو محبة مفرطة وقيل هو عمى الحس عن ادراك عيوب المحبوب وقيل إن ماهيته غير معلومة وهو امر يقع من الله تعالى .